استمرار الصراع ليس قدرًا محتومًا

يمنات
محمد عزان
يوم أمس كتبت منشورًا يدعو إلى وقف الصراع في اليمن والبحث عن حلول سلمية، فلفت انتباهي تنوع التعليقات بين مؤيد ومعارض من طرفي الصراع وغيرهم، وكانت بعض التعليقات تطرح تساؤلات مشروعة عن مدى إمكانية المصالحة اليمنية، في ظل انعدام الثقة بين أطراف النزاع.
وهنا أود التأكيد على حقيقة أساسية خلاصتها: «أن استمرار الصراع ليس قدرًا محتومًا، وإن كانت أسباب استمراره معقدة ومتداخلة؛ فصعوبة السلام لا تعني استحالته، كما أن تعثر محاولاته السابقة لا يلغي إمكانية الوصول إليه. وكما ندرك أن المصالحة لا تتحقق بمجرد الاتفاق على وقف المواجهات ولا حتى بإخضاع طرف لطرف، ندرك أيضًا أن هنالك ركائز جوهرية لبناء السلام المستدام».
ويمكن تلخيص تلك الركائز الأساسية في:
1- «الاستعداد النفسي والأخلاقي»، بإرادة صادقة ومراجعة ذاتية، وتتثمل في: أن يقتنع الأطراف بأن التعايش أجدى من الغلبة، وأن تتحلى بالشجاعة الأخلاقية لمراجعة مواقفها والاعتراف بأخطائها، والتخلي عن احتكار الحقيقة وشيطنة الخصوم، بما يفتح الطريق أمام تسوية عادلة.
2- «تصويب العلاقة بين أطراف المجتمع» بالاعتراف المتبادل والمصالحة المجتمعية، ويتحقق في: الإقرار بحق الجميع في الوجود والمشاركة والاحتفاظ بهوياتهم وخصوصياتهم، ونبذ الإقصاء والتعبئة العدائية، ومعالجة المظالم وجبر الضرر، وإعادة بناء الثقة والروابط الإنسانية والوطنية.
3- «البناء السياسي والمؤسسي» بتقرير العدالة والشراكة المؤسسية، في ظل دولة تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وتنظم التنافس السياسي وتوزيع السلطة والثروة على أساس الحقوق والمصالح المشروعة، لا تقاسم الغنائم، بمؤسسات عادلة تمنع الاستئثار وتكفل مشاركة الجميع.
4- «ضمانات التنفيذ ودور البيئة الخارجية» المتمثل في استقلال القرار الوطني، وإرساء ضمانات سياسية وأمنية وقانونية قابلة للتحقق، تمنع الانتقام وتجدد الصراع وتضمن تنفيذ الاتفاقات، مع معالجة المصالح الخارجية المشروعة بما يحفظ السيادة الوطنية ويحول دون تحويل البلاد إلى ساحة لصراعات الآخرين.
* نعم — قد تبدو هذه المبادئ معروفة للجميع، غير أن معرفة شروط السلام لا تعني امتلاك الإرادة لتحقيقه؛ فالمبادئ لا تستمد قيمتها من ترديدها، وإنما من تحويلها إلى مواقف عملية وسلوك سياسي ومؤسسات ضامنة.
لا تقل لي كيف؟ لأن كيف هذه، تتم بعد اتخاذ القرار بالدخول في عملية سلمية جادة.
وفي تقديري.. أن الركائز الثلاث الأخيرة – على أهميتها – تتوقف في جانب أساسي من إمكان تحققها على الركيزة الأولى: «الإرادة الصادقة والمراجعة الذاتية». فالإرادة لا تصنع السلام بمفردها، لكنها تفتح الطريق إليه، وتمنح بقية الوسائل جدواها. ولعل ما يميزها أنها تبدأ من داخل الإنسان، فلا يحتاج الفرد أو الجماعة إلى إذن من الخصم لمراجعة المواقف أو التخلي عن الرغبة في إقصائه، وإن كان تحويل هذه الإرادة إلى سلام مستدام يتطلب استجابة متبادلة وضمانات عملية.